محمود سالم محمد

332

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

الانتقال : المدحة النبوية مثل غيرها من المدائح لا تقتصر في مضمونها على موضوع واحد ، بل تتعدد فيها الأغراض والمواضيع ، فينتقل الشاعر أثناءها من موضوع إلى آخر انتقالا حادا حينا ، يشعر المتتبع بالافتعال والتصنع ، وانتقالا رفيقا حينا آخر ، يدل على مهارة الشاعر ومقدرته على ربط المواضيع ، بعضها ببعض ، وخاصة عندما ينتقل الشاعر من مقدماته إلى غرضه الأساس ( المديح ) ، ويسمى هذا الانتقال عند البلاغيين المخلص أو حسن المخلص ، إذ يجب على الشاعر أن يحترز من انقطاع الكلام ، أو الحشو الذي لا طائل من ورائه ، أو من اضطراب الكلام عند ذلك ، فيشعر قارئ القصيدة أو سامعها بارتباك الشاعر عند انتقاله . والأمثلة على ذلك كثيرة ، فجميع قصائد المديح النبوي تحوي على مثل هذا التخلص ، يجيده الشاعر حينا ، ويستعجل حبكه حينا آخر . ومن ذلك انتقال البوصيري إلى المديح بعد أن تحدث عن المعاصي فجعل ذلك مخلصا إلى مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ظلمت سنّة من أحيا الظّلام إلى * أن اشتكت قدماه الضّرّ من ورم « 1 » والصرصري تحدث في مقدمة إحدى مدائحه عن الأماكن المقدسة ، ودعا لها بالسّقيا ، منتقلا بذلك إلى مدح النبي الكريم ، فقال : سحّت غمائم أنوار المزيد على * قبابه البيض سحّا دونه السّحب فهي الشّفاء لأسقامي وساكنها * هو الحبيب الذي أبغي وأطّلب « 2 » وعندما يقدم الشاعر لمديحه النبوي بالغزل ، فإن مهمة التخلص إلى المديح تصبح

--> ( 1 ) ديوان البوصيري : ص 240 . ( 2 ) ديوان الصرصري : ورقة 8 .